الشيخ حسن الجواهري

467

دعوة إلى الإصلاح الديني والثقافي

المرسلة شُغُلُها تقمُّمُها « 1 » تكترِشُ من أعلافِها ، وتلهو عمّا يراد بها أو اتركَ سُدىً أو اهمل عابثاً أو أَجُرَّ حَبل الضلالة أو أعتسِفَ طريق المتاهة ! وكأني بقائلكم يقول : إذا كان هذا قوتُ ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان ، ألا وإنَّ الشجرة البرِّية أصلب عوداً والروائِع الخضرة أرقّ جلوداً ، والنباتات العِذْية « 2 » أقوى وقوداً وأبطأ خموداً . وأنا من رسول اللَّه كالضوء من الضوء والذراع من العضد ، واللَّه لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها ، ولو أمكنت الفُرَصُ من رقابها لسارعت إليها . وسأجهدُ في أن اطهِّر الأرض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس « 3 » حتى تخرج المدَرَةُ من بين حبِّ الحصيد . ومن هذا الكتاب ، وهو آخره : إليك عنّي يا دنيا ، فحبلك على غاربك ، قد انسلَلْتُ من مخالبك ، وأفلتُّ من حبائلك ، واجتنبتُ الذهاب في مداحضك « 4 » . أين القرون الذين غررتهم بمداعبك ! أين الأمم الذين فتنتيهم بزخارفك ! فهاهم رهائن القبور ومضامين اللحود . واللَّه لو كنتِ شخصاً مرئيّاً وقالباً حسيّاً ، لأقمتُ عليك حدودَ اللَّه في عبادٍ غررتِهم بالأماني ، وأمم ألقيتهم في البلاء ، إذ لا وِردَ ولا صَدَرَ « 5 » ! هيهات ! من وَطِيء دحضك زَلَق ، ومن رَكب لُجَجَكِ غرق ، ومن ازوَرَّ عن حبائلك وفِّق ، والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخُه ، والدنيا عنده كيومٍ حان إنسلاخه . اعزبي « 6 » عني ! فواللَّه لا أذِلُّ لكِ فتستذلِّيني ، ولا أسلسُ لك فتقوديني ، وأيم اللَّه - يميناً استثني فيها بمشيئة اللَّه - لأروضنَّ نفسي رياضةً تهشُ معها إلى القُرص إذا قدرت عليه مطعوماً ،

--> ( 1 ) تقممها : التقاطها للقمامة ( الكناسة ) . ( 2 ) النباتات العِذْية : التي تنبت عِذياً والعذي الزرع لا يسقيه إلّاماء المطر . ( 3 ) المركوس : من الركس وهو ردّ الشيء مقلوباً أو المراد مقلوب الفكر . ( 4 ) المداحض : المساقط والمزالق . ( 5 ) الورد : ورود الماء . الصَدَر : بالتحريك الصدور عن الماء بعد الشرب . ( 6 ) اعزبي : ابعدي .